Monday, November 06, 2006

اللقاء الثاني

ينسحب الصخب المصاحب المصاحب لفترة الظهيرة ...تتلاشى زحمة المواصلات ..باعة الخضر و الفاكهة الجائلين يختفون في صمت و قد انتهى يوم أخر من الكد و التعب و الجري وراء لقمة العيش ...طفلا صغيرا كنت في تلك الشقة المتواضعة في حي شبرا !!!وقتها لم يكن هناك أقمار صناعية أو كمبيوتر ..كنت أقضي اليوم بطوله معها..جدتي لأمي.. و لم أكن أشعر بالملل ....فتارة أستمع الى حكاياتها و تارة تعلمني الأناشيد ..و عندما كانت سويعات الذروة تحزم حقائبها ..و قد تناولنا غذاءنا ..نغلق أنوار الشقة القليلة لنستحم في ضي شمس العصاري الخافت ...و ندير مؤشر التليفزيون لمتابعة المسلسل العربي على القناة الثانية ...مسلسل " اللقاء الثاني" ...لا أدري لماذا لا أتذكر من تلك الفترة سوى هذا المسلسل ..و بعض مسلسلات الراحل الجميل "حسن عابدين " ...أسرتني موسيقى عمر خيرت ...مع كلمات الأغنية ..و صوت علي الحجار و حنان ماضي ...يمتزج كل هذا مع البراءة و راحة البال في مزيج انساني لا يوصف ...كنت أشعر أنها ليست مجرد مقطوعة موسيقية ...هي حياة الطبقة الوسطى في شوارع شبرا الهادئة ...هي رائحة جدتي العجوز ..الحسنات البنية على جلد يدها ..هي صوت شمس العصاري الهادئة ...الراديو المفعم بالكهرباء الستاتيكية ..انتظاري لخالي ومعه "الحاجات الحلوة" -كما كنت اسميها وقتها -....اشتياقى لأمي و أنا أسمع صوتها على الهاتف تسألني أذا كنت أود الرجوع للبيت ام لا ...ومع ذلك كنت أفضل المكوث مع جدتي ...الجري في الطرقة المظلمة خوفا من اللاشيء ....لم تكن مجرد موسيقى ..بل كانت حياة ......

كبرت بعد ذلك ... و ماتت جدتي...لم أعد أذهب الى شبرا كثيرا ...تاهت روحي في زحام الدنيا ما بين الثانوية العامة و الكلية و نزوات المراهقة ...و تنحى التليفزيون المصري تاركا الساحة أمام الفضائيات ..أصبحت لا أتابع الا
mbc 2 و mbc 4
..أدمنت الانترنت ..التسكع في الشوارع بلا هدف ...المقاهي القديمة في كل أنحاء القاهرة ...لربما يكون ما أدمنته حقا هو البحث ...البحث عن تلك الحياة ...أستمع الان الى "اللقاء الثاني" أكثر من مرة يوميا ...شاهدت المسلسل مرات و مرات متكررة ...و لكن تلك الحياة ...ذلك المزج العجيب ...اللذة الغير مفهومة ..الى الان لم يجمعنا.... اللقاء الثاني.

2 comments:

abderrahman said...

كلامك رائع
خصوصا اني من مواليد شبرا
وبيت جدتي كان في شبرا كمان
وصلني احساسك
:)

saso said...

احساس التوهه بيصاحبني لما ازور بيت جدتي.. الشارع بياعين وصوت الراديو وزحمة الناس.. دنيتي اللي كنت جزء منها وفجاة اتاخدت لشارع هادي ساكت دايما
اللقاء التاني طول عمرها خلفيه في كل سنتي في حياتي
ومين اللي قال ان اللي راح فات
ده كل شئ راح ساب اثر في اللي جاي
يمكن لما باوصل لهنا بارتاح..باحس اني شايلة بيت جدتي معايا لما ساب اثرة فيا